مقالاً اليوم عن خطبة مكتوبة عن بر الوالدين المنبر. هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي يمكن أن نتحدث عنها لأننا نحتاج إليه كثيراً في هذا الزمن فالكثير منا يظن أن بره بأمه وأبيه هو خير لهما وهذا اعتقاد خطأ فالحقيقة أن النفع يعود عليك  أكثر مما يعود عليهما وأنك تحصل على الخير والفضل والبركة في حياتك كلما كنت باراً بوالديك. كذلك فأنك عندما تكون باراً بهما وكريما معهما فأن أبناءك سيفعلون ذلك معك أيضاً. فتعالوا من خلال برونزية نعرفك على فضل بر الوالدين.

خطبة مكتوبة عن بر الوالدين المنبر

المقدمة

أن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فكشف الله به الغمة فاللهم و أجزيه عنا خير ما جازيت نبينا عن أمته ورسولنا عن دعوته ورسالته أما بعد

متن الخطبة

أن من الفطرة الطبيعية التي فطر الله “عز وجل ” الناس عليها هي حب الإحسان للغير وخاصة لمن يحسن إلينا ولا يوجد أشخاص في هذا الدنيا قد أحسنوا إلينا مثل والدينا وأننا يجب أن نعلم أنه ليس هناك أحد يحبنا ويتمنى لنا الخير ويفتدينا بنفسه وماله وكل ما يملك غيرهم. فيجب أن نرد لهم هذا الجميل ونشكرهم عليه طوال الوقت.

وأن نبينا محمد “صلى الله عليه وسلم” قال في الصحيحين عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟! قال: “الصلاةُ على وقتِها“. قلتُ: ثم أيٌّ؟! قال: “برُّ الوالدَين“. قلتُ: ثم أيٌّ؟! قال: “الجهادُ في سبيلِ الله“. فأن الرسول “صلى الله عليه وسلم” قدم بر الوالدين وطاعتهما على الجهاد في سبيل الله حتى يعلم الأمة كلها كم أن هذا الأمر عظيم وكبير جداً ولا ينال شرفها وخيره إلا من كان من سعداء الدنيا والأخرة. ولا يمكن أن نشعر بعظم هذا الأمر ولا لأهميته إلا إذا كبرنا وصرنا أباء وأردنا أن يبرنا أبناء. وأنك لا يمكن أن تجد شخص تعيس في هذه الدنيا وشقي وهو يبر أمه وأباه.

وأن كل الأعمال الصالحة لم يقرنها الله “عز وجل ” بعبادته ولكنه جمع عبادته مع بر الولدين والإحسان لهما فقال : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء: 36]، وقال -سبحانه-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23].

بر الأم

أحق الناس في هذه الدنيا أن تصلها وتقوم على راحتها وتعطيها حباً وحنان هي أم فهي التي حملتك تسعة أشهر وهناً على وهن كما قال الله “عز وجل ” (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فأن كل عمل خير تعمله معاها لا يوفيها طلقة واحدة من طلقات الولادة فقد سُئلَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ- رضيَ اللهُ عنهما – : أمِّي عجوزٌ لا تقوى على الحَراكِ وأصبحَتُ أحملُها إلى كلِّ مكانٍ حتّى لتقضيَ حاجتَها، وأحياناً لا تملكُ نفسَها وتقضيها عليَّ وأنا أحملُها، أترانِي قدْ أدّيتُ حقَّها؟, فأجابَهُ ابنُ عمرَ: ولا بطلقةٍ واحدةٍ حينَ ولدتْكَ, تفعلُ هذا وتتمنّى لها الموتَ حتّى ترتاحَ أنت !, وكانَتْ تفعلُها وأنتَ صغيرٌ وتتمنّى لكَ الحياةَ!.

وأن العين لتدمع حين نرأى شخصاً عائقاً بأمه ولا يبرها بل أن الأمر قد يصل بهم أن يضعوا أمهاتهم في دار الرعاية ولا يهتمون بها.  ولا يمكن أن يكون هذا من الدين الإسلامي في شئ أبداً فأن ديننا الإسلام أمرنا بالرحمة بكبار السن والعطف عليهم ومساعدتهم فما بالك بوالدتك التي قامت برعايتك وتظل ترعاك وتتذكرك وتحميك بدعائها حتى بعدما تكبر فأنك لو كبرت في نظر العالم كله تبقي في نظرها ذاك الطفل الصغير الذي لم يتجاوز الخمس سنوات. وتسمر في الاهتمام بك وبأدق تفاصيلك الصغيرة فأن أقل شكر قد تقدمه لها هو أن ترعاها وتهتم بها عند كبرها وتعاملها معاملة تليق بها. فأن الله “عز وجل قد أمرنا ببر الأم حتى وأن كانت مشركة لا توحد بالله وأمرنا أن نطيعها في كل شيء إلا الأشراك بالله “عز وجل”.

في الصحيحين عن أسماء -رضي الله عنها- قالت: قدِمَت عليَّ أمي وهي مُشرِكةٌ في عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفتَيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: إن أمي قدِمَت وهي راغِبَةٌ، أفأصِلُ أمِّي؟! قال: “نعم، صِلِي أمَّكِ“.

ولنا في السَّلَفِ خيرُ مِثالٍ، وأحسنُ مقالٍ؛ فعن الزهريِّ -رحمه الله- قال: “كان الحسنُ بن عليٍّ لا يأكُلُ مع أمِّه، وكان أبرَّ الناس بأمِّه. فقيلَ له في ذلك، فقال: أخافُ أن آكُلَ معها، فتسبِقَ عينُها إلى شيءٍ من الطعامِ وأنا لا أدرِي فآكُلُه، فأكونُ قد عققتُها“.

بر الأب

لا يوجد مثال للضحية والتنازل وأنكار الذات على وجه هذه الأرض أكبر من الأب فأنه لا يرتاح ولا يهنأ حتى يشعر أن أطفاله في أمان وأننا نجد الرجل يعمل بالليل والنهار ولا يشترى شيئاً لنفسه ويوفره لأولاده حتى يؤمن لهم تكاليف الدراسة والمأكل والمشرب وحتى يشعرهم دائماً بالأمان المادي والمعنوي وربما نشاهد أب ينزل في ساعات متأخر من الليل فقط لأن ابنه يشتكي ألم بسيط في معدته فعار علينا بعد كل ذلك أن لا نؤدي له حقه ونشكره على ما بذله ويبذله من أجلنا ولنا في نبي الله إسماعيل _عليه السلام_ قدوة ومثل أعلى يجب أن نقتدي به في أمور حياتنا كلها حينما أراد سيدنا إبراهيم والده أن يذبحه حتى يمتثل لأمر الله “عز وجل” ولم يعترض أبداً وقال له “يا أبتي أفعل ما تؤمر ستجديني أن شاء الله من الصابرين”.

هذا أبو هريرة -رضي الله عنه- يُبصِرُ رجُلَين، فقال لأحدِهما: من هذا منك؟! فقال: إنه فلانٌ أبي، فقال: “لا تُسمِّه باسمِه، ولا تُنادِي أباكَ باسمِه“. فلا تقُل: يا فلان؛ “بل تُسمِّه بصفتِه، فتقول: يا أبِي أو يا أبتَاه“.

الخاتمة

أسال الله “عز وجل” أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وأن يجعلنا من البارين بأبئهم وأمهاتهم وأن يحفظنا في هذه الدنيا بدعائهم لنا اللهم أمين.